الشيخ الطبرسي

618

تفسير جوامع الجامع

هذا الحُكْمَ الباطِلَ ، كأَنَّ أَمرَ الجَزَاءِ مفَوَّضٌ إليكُم حتَّى تَحكُمُوا فيهِ بما شِئْتُم . ( أَمْ لَكُمْ كِتَبٌ ) من السَّماءِ تَدْرُسُونَ ( فِيهِ ) أنَّ ما تَخْتَارونَهُ لكُم . والأَصْلُ : تَدْرُسُونَ أنَّ لكُم ما تَخيَّرُونَ ، بفَتْحِ " أنَّ " لأنَّه مدْروسٌ ، فَلَمَّا جاءَتِ اللاَّمُ كُسِرَتْ " إِنَّ " ، ويجُوزُ أن يكُونَ حِكَايةً للمدْرُوسِ كَمَا هو قَولُهُ : ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاْخِرِينَ سَلَمٌ على نُوح فِي الْعَلَمِينَ ) ( 1 ) ، وتَخَيَّرَ الشَّيءَ : أَخَذَ خَيْرَهُ ، ومِثْلُهُ : اخْتَارَهُ ، نَحْوُ : تَنَخَّلَهُ وانتَخَلَهُ : أَخَذَ منْخُولَهُ . ( أَمْ لَكُمْ أيْمَنٌ ) مُغَلَّظَةٌ متَنَاهِيةٌ في التَّوكيدِ ثابتَةٌ ( عَلَيْنَا . . . إلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ ) لا تَخْرُجُ عن عُهْدَتِها إلى يَومِ القيامةِ ، إذا أَعْطَيْناكُم ما تَحكُمُونَ ، ويَجُوزُ أن يَتَعَلَّقَ ( إِلَى ) ب‍ ( بَلِغَةٌ ) على معنى : أنَّها تَبلُغُ ذلِكُم اليَوْم وتَنْتَهي إليهِ ، وافِرَةٌ لَمْ تَبْطُلْ مِنْها يَمِينٌ إلى أن يَحْصَلَ المُقْسَمُ عليهِ ، وهو قَولُهُ : ( إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ ) . ( سَلْهُمْ أيُّهُم بذلِكَ ) الحُكْمِ ( زَعِيمٌ ) أي : كَفيلٌ ، وهو : أَنَّ لَهُم في الآخِرَةِ ما للمسلمينَ . ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ ) في هذا القَوْلِ يشَاركُونَهُم فيهِ ، ويوافقُونَهُم عليهِ ( فَلْيَأْتُواْ ) بِهِم ( إِنْ كَانُواْ صَدِقِينَ ) في دَعْواهُم ، يُريدُ : أنَّ أَحَداً لاَ يُسَلِّمُ لَهُم هذا ، كَمَا أنَّه لا كِتَابَ لَهُم يَنْطُقُ بهِ ، ولا عَهْدٌ لَهُم بهِ عند اللهِ ، ولا زَعيمٌ لَهُم يَقُومُ بهِ . ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق ) هو عِبَارةٌ عن شِدَّةِ الأَمْرِ ، وأَصْلُهُ في الحَرْبِ ( 2 ) والهَزيمةِ بتَشْميرِ المُخَدَّرَاتِ عن سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ ، قَالَ : كَشَفَتْ لَكُم عن سَاقِها * وبَدَا من الشَّرِّ الصُّراخُ ( 3 ) والمعنى : يَوْمَ يشْتَدُّ الأَمرُ ويَتَفَاقَمُ ، ولا سَاقَ ثَمَّ ولا كَشْفٌ وإنَّما هو مَثَلٌ ،

--> ( 1 ) الصافَّات : 78 و 79 . ( 2 ) في الكشّاف : " الروع " . ( 3 ) في نسخة : " الصراع " بدل " الصُّراخ " . والبيت لسعد بن مالك جدّ طرفة بن العبد الشاعر الشهير . أُنظر معاني القرآن للفرّاء : ج 3 ص 177 وفيه : " لهم " بدل " لكم " ، و " البراح " بدل " الصُّراخ " .